بيان الشرك وخطره
قال - رحمه الله - : اعلم أن الشرك بالله أعظم ذنب عصي الله به . قال الله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وفي " الصحيحين " أنه - صلى الله عليه وسلم - سئل : أي الذنب أعظم ؟ قال : أن تجعل لله ندا وهو خلقك . والند : المثل، قال تعالى : فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ، وقال تعالى : وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ، فمن جعل لله ندا من خلقه فيما يستحقه - عز وجل - من الإلهية والربوبية فقد كفر بإجماع الأمة؛ فإن الله سبحانه هو المستحق للعبادة لذاته؛ لأنه المألوه المعبود الذي تألهه القلوب وترغب إليه وتفزع إليه عند الشدائد، وما سواه فهو مفتقر مقهور بالعبودية فكيف يصلح أن يكون إلها ؟ قال الله تعالى : وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ ، وقال تعالى : إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا .
وذكر - رحمه الله - آيات في هذا المعنى، ثم قال فالله سبحانه هو المستحق أن يعبد لذاته . قال تعالى : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فذكر الحمد بالألف واللام التي تقتضي الاستغراق لجميع المحامد؛ فدل على أن الحمد كله لله، ثم حصره في قوله : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ، فهذا تفصيل لقوله : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فهذا يدل على أنه لا يستحق أن يعبد أحد سواه، فقوله : إِيَّاكَ نَعْبُدُ إشارة إلى عبادته بما اقتضته الربوبية من التوكل والتفويض والتسليم؛ لأن الرب سبحانه هو المالك، وفيه أيضا معنى الربوبية والإصلاح، والمالك الذي يتصرف في ملكه كما يشاء، إلى أنه قال - رحمه الله - : ولهذا قيل : إن هذه الآية إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ؛ جمعت أسرار القرآن؛ لأن أولها اقتضى عبادته بالأمر والنهي والمحبة والخوف والرجاء، كما ذكرنا، وآخرها اقتضى عبادته بالتفويض والتسليم، وجميع العبوديات داخلة في ذلك، إلى أنه قال : فإذا تقرر هذا : فالشرك يكفر به صاحبه، هو نوعان؛ شرك في الإلهية وشرك في الربوبية .
فأما الشرك في الإلهية فهو أن يجعل لله ندا - أي : مثلا - في عبادته أو محبته أو خوفه أو رجائه أو إنابته . فهذا هو الشرك الذي لا يغفره الله إلا بالتوبة منه . قال تعالى : قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ ، وهذا هو الذي قاتل عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مشركي العرب لأنهم أشركوا في الإلهية، قال الله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ الآية، وقالوا : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى الآية، وقالوا أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ، وقال تعالى : الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ .
وأما الربوبية فكانوا مقرين بها؛ قال الله تعالى : قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ إلى قوله : فَأَنَّى تُسْحَرُونَ وما اعتقد أحد منهم قط أن الأصنام هي التي تنزل الغيث وترزق العالم وتدبره، وإنما كان شركهم كما ذكرنا : اتخذوا من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله، وهذا المعنى يدل على أن من أحب شيئا من دون الله كما يحب الله تعالى فقد أشرك، وهذا كقوله : قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ، وكذا من خاف شيئا كما يخاف الله أو رجاه كما رجاه الله وما أشبه ذلك .
وأما النوع الثاني : فالشرك في الربوبية فإن الرب سبحانه هو المالك المدبر المعطي المانع الضار النافع الخافض الرافع المعز المذل؛ فمن شهد أن المعطي أو المانع أو الضار أو النافع أو المعز أو المذل غيره فقد أشرك بربوبيته، قال :
لأن النعم كلها لله تعالى؛ كما قال تعالى : وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ، وقال تعالى : كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ، فالله سبحانه هو المعطي على الحقيقة فإنه هو الذي خلق الأرزاق وقدرها وساقها إلى من يشاء من عباده .
ومما يقوي هذا المعنى قوله - صلى الله عليه وسلم - لابن عباس - رضي الله عنهما - : واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك . ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف قال الترمذي : هذا حديث صحيح . فهذا يدل على أنه لا ينفع في الحقيقة إلا الله ولا يضر غيره، فمن سلك هذا المسلك العظيم استراح من عبودية الخلق ونظره إليهم، وأراح الناس من لومه وذمه إياهم، وتجرد التوحيد في قلبه فقوي إيمانه وانشرح صدره وتنوّر قلبه، ومن توكل على الله فهو حسبه .
وأما الشرك الخفي فهو الذي لا يكاد أحد يسلم منه مثل أن يحب مع الله غيره، فإذا نقص خوف العبد من ربه خاف المخلوق، وطريق التخلص من هذه الآفات كلها الإخلاص لله - عز وجل - ، قال الله تعالى : فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ، ولا يحصل الإخلاص إلا بزهد ولا زهد إلا بتقوى، والتقوى متابعة الأمر والنهي .
|