|
|
|
#1
|
|||
|
|||
|
أضواء من فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة > قاعدة في الاجتماع والفرقة
|
|
#2
|
|||
|
|||
|
بيان الشرك وخطره
قال - رحمه الله - : اعلم أن الشرك بالله أعظم ذنب عصي الله به . قال الله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وفي " الصحيحين " أنه - صلى الله عليه وسلم - سئل : أي الذنب أعظم ؟ قال : أن تجعل لله ندا وهو خلقك . والند : المثل، قال تعالى : فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ، وقال تعالى : وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ، فمن جعل لله ندا من خلقه فيما يستحقه - عز وجل - من الإلهية والربوبية فقد كفر بإجماع الأمة؛ فإن الله سبحانه هو المستحق للعبادة لذاته؛ لأنه المألوه المعبود الذي تألهه القلوب وترغب إليه وتفزع إليه عند الشدائد، وما سواه فهو مفتقر مقهور بالعبودية فكيف يصلح أن يكون إلها ؟ قال الله تعالى : وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ ، وقال تعالى : إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا . وذكر - رحمه الله - آيات في هذا المعنى، ثم قال فالله سبحانه هو المستحق أن يعبد لذاته . قال تعالى : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فذكر الحمد بالألف واللام التي تقتضي الاستغراق لجميع المحامد؛ فدل على أن الحمد كله لله، ثم حصره في قوله : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ، فهذا تفصيل لقوله : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فهذا يدل على أنه لا يستحق أن يعبد أحد سواه، فقوله : إِيَّاكَ نَعْبُدُ إشارة إلى عبادته بما اقتضته الربوبية من التوكل والتفويض والتسليم؛ لأن الرب سبحانه هو المالك، وفيه أيضا معنى الربوبية والإصلاح، والمالك الذي يتصرف في ملكه كما يشاء، إلى أنه قال - رحمه الله - : ولهذا قيل : إن هذه الآية إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ؛ جمعت أسرار القرآن؛ لأن أولها اقتضى عبادته بالأمر والنهي والمحبة والخوف والرجاء، كما ذكرنا، وآخرها اقتضى عبادته بالتفويض والتسليم، وجميع العبوديات داخلة في ذلك، إلى أنه قال : فإذا تقرر هذا : فالشرك يكفر به صاحبه، هو نوعان؛ شرك في الإلهية وشرك في الربوبية . فأما الشرك في الإلهية فهو أن يجعل لله ندا - أي : مثلا - في عبادته أو محبته أو خوفه أو رجائه أو إنابته . فهذا هو الشرك الذي لا يغفره الله إلا بالتوبة منه . قال تعالى : قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ ، وهذا هو الذي قاتل عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مشركي العرب لأنهم أشركوا في الإلهية، قال الله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ الآية، وقالوا : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى الآية، وقالوا أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ، وقال تعالى : الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ . وأما الربوبية فكانوا مقرين بها؛ قال الله تعالى : قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ إلى قوله : فَأَنَّى تُسْحَرُونَ وما اعتقد أحد منهم قط أن الأصنام هي التي تنزل الغيث وترزق العالم وتدبره، وإنما كان شركهم كما ذكرنا : اتخذوا من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله، وهذا المعنى يدل على أن من أحب شيئا من دون الله كما يحب الله تعالى فقد أشرك، وهذا كقوله : قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ، وكذا من خاف شيئا كما يخاف الله أو رجاه كما رجاه الله وما أشبه ذلك . وأما النوع الثاني : فالشرك في الربوبية فإن الرب سبحانه هو المالك المدبر المعطي المانع الضار النافع الخافض الرافع المعز المذل؛ فمن شهد أن المعطي أو المانع أو الضار أو النافع أو المعز أو المذل غيره فقد أشرك بربوبيته، قال : لأن النعم كلها لله تعالى؛ كما قال تعالى : وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ، وقال تعالى : كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ، فالله سبحانه هو المعطي على الحقيقة فإنه هو الذي خلق الأرزاق وقدرها وساقها إلى من يشاء من عباده . ومما يقوي هذا المعنى قوله - صلى الله عليه وسلم - لابن عباس - رضي الله عنهما - : واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك . ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف قال الترمذي : هذا حديث صحيح . فهذا يدل على أنه لا ينفع في الحقيقة إلا الله ولا يضر غيره، فمن سلك هذا المسلك العظيم استراح من عبودية الخلق ونظره إليهم، وأراح الناس من لومه وذمه إياهم، وتجرد التوحيد في قلبه فقوي إيمانه وانشرح صدره وتنوّر قلبه، ومن توكل على الله فهو حسبه . وأما الشرك الخفي فهو الذي لا يكاد أحد يسلم منه مثل أن يحب مع الله غيره، فإذا نقص خوف العبد من ربه خاف المخلوق، وطريق التخلص من هذه الآفات كلها الإخلاص لله - عز وجل - ، قال الله تعالى : فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ، ولا يحصل الإخلاص إلا بزهد ولا زهد إلا بتقوى، والتقوى متابعة الأمر والنهي . |
|
#3
|
|||
|
|||
|
بيان أنواع الشرك
قال - رحمه الله - : ذكر الله عن إمامنا إبراهيم خليل الله أنه قال لمناظريه من المشركين الظالمين : وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ . وفي الصحيح من حديث عبد الله بن مسعود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فسر الظلم بالشرك وقال : ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح : إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [ لقمان : 13 ] ؟ ) ، فأنكر أن نخاف ما أشركوهم بالله من جميع المخلوقات العلويات والسفليات وعدم خوفهم من إشراكهم بالله شريكا لم ينزل الله به سلطانا، وبيّن أن القسم الذي لم يشرك هو الآمر المهتدي، وهذه آية عظيمة تنفع المؤمن الحنيف في مواضع؛ فإن الإشراك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل . دَعْ جليله ! وهو شرك في العبادة والتأله وشرك في الطاعة والانقياد، وشرك في الإيمان والقبول . فالغالية من النصارى والرافضة وضلال الصوفية والفقراء والعامة يشركون بدعاء غير الله تارة وبنوع من عبادته أخرى وبهما جميعا تارة، ومن أشرك هذا الشرك أشرك في الطاعة . وكثير من المتفقهة وأجناد الملوك وأتباع القضاة والعامة المتبعة لهؤلاء يشركون شرك الطاعة، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعدي بن حاتم لما قرأ : اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ ، فقال : يا رسول الله ما عبدوهم ! فقال : ما عبدوهم ولكن أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم . فتجد أحد المنحرفين يجعل الواجب ما أوجبه متبوعه والحرام ما حرمه، والحلال ما حلله، والدين ما شرعه إما دينا وإما دنيا، وإما دينا ودنيا . ثم يخوّف من امتنع من هذا الشرك وهو لا يخاف أنه أشرك به شيئا في طاعته بغير سلطان من الله، وبهذا يخرج من أوجب الله طاعته من أمير وعالم ووالد وشيخ، وغير ذلك . وأما الشرك الثاني فكثير من أتباع المتكلمة - يعني علماء الكلام - والمتفلسفة، بل وبعض المتفقهة والمتصوفة، بل وبعض أتباع الملوك والقضاة يقبل قول متبوعه فيما يخبر به من الاعتقادات الخبرية ومن تصحيح بعض المقالات، وإفساد بعضها ومدح بعضها وبعض القائلين، وذم بعض بلا سلطان من الله، ويخاف ما أشركه في الإيمان، والقبول ولا يخاف إشراكه بالله شخصا في الإيمان به، وقبول قوله بغير سلطان من الله، وبهذا يخرج من شرع الله تصديقه من المرسلين والعلماء المبلغين والشهداء الصادقين وغير ذلك، فباب الطاعة والتصديق ينقسم إلى مشروع في حق البشر وغير مشروع . وأما العبادة والاستعانة والتأله - وهذا هو القسم الثالث - فلا حق فيها للبشر، فإنه كما قال القائل : ما وضعت يدي في قصعة أحد إلا ذللت له . ولا ريب أن من نصرك ورزقك كان له سلطان عليك . فالمؤمن يريد أن لا يكون عليه سلطان إلا لله ولرسوله ولمن أطاع الله ورسوله . وقبول مال الناس فيه سلطان لهم عليه . فإذا قصد دفع هذا السلطان وهذا القهر عن نفسه كان حسنا محمودا يصح له دينه بذلك، وإن قصد الترفع عليهم والترأس والمراءاة بالحال الأولى كان مذموما، وقد يقصد بترك الأخذ غنى نفسه عنهم ويترك أموالهم لهم؛ فهذه أربع مقاصد صالحة : غنى نفسِه، وعزتُها حتى لا تفتقر إلى الخلق ولا تذل لهم، وسلامة مالهم ودينهم عليهم حتى لا تنقص عليهم أموالهم، فلا يذهبها عنهم، ولا يوقعهم بأخذها فيما يكره لهم من الاستيلاء عليه . ففي ذلك منفعة له أن لا يذل ولا يفتقر إليهم، ومنفعة لهم أن يبقى مالهم ودينهم . وقد يكون في ذلك منفعة بتأليف قلوبهم بإبقاء أموالهم لهم حتى يقبلوا منه . وقد يكون في ذلك حفظ دينهم فإنهم إذا قبل منهم المال قد يطمعون هم أيضا في أنواع من المعاصي ويتركون أنواعا من الطاعات؛ فلا يقبلون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأما إذا كان الأخذ يفضي إلى طمع فيه حتى يستعان به في معصية أو يَمنعُ من طاعة فتلك مفاسد أخر؛ فإنهم لا يتمكنون هم من استعماله في المعصية إلا مع ذله أو فقره؛ فإن العطاء يحتاج إلى جزاء ومقابلة . وكما أن في أخذه من أموال الناس هذه المفاسد : مجاراتهم على أهوائهم المحرمة، وترك واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والذلة للناس . فقد بيّن - رحمه الله - أنه قد يكون في ترك الأخذ أيضا مفاسد، منها التكبر والاستعلاء؛ ومنها الامتناع من الإحسان إليهم فإنه إذا لم يأخذ منهم لم يعطهم ويحسنْ إليهم من باب المقابلة والمكافأة . قال - رحمه الله - : وقد يتركه - أي الأخذ - لمضرة الناس، أو لترك منفعتهم، فهذا مذموم، وقد يكون في الترك أيضا مضرة نفسه، أو ترك منفعتها، إما بأنه يكون محتاجا إليه فيضره تركه، أو يكون في أخذه وصرفه منفعة له في الدين والدنيا . ومما تقدم يتبين لنا : أن الشرك أنواع : الأول : الشرك الظاهر وهو صرف شيء من أنواع العبادة لغير الله كالذبح والنذر للقبور والاستغاثة بالأموات والغائبين من الجن والشياطين . الثاني : شرك الطاعة : وهو طاعة العلماء والأمراء في استحلال ما حرم الله أو تحريم ما أحله . والثالث : شرك الإيمان والقبول : وهو التصديق بالأقوال المنحرفة وقبولها كما قالت الفلاسفة والمخرفين والمنحرفين والمعطلة للأسماء والصفات من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة والإعراض عن قبول مقالات الأنبياء واتباعهم . والنوع الرابع شرك خفي : وهو الرياء والسمعة والعمل لغير الله بل لأجل طمع من مطامع الدنيا . والله المستعان . |
|
#4
|
|||
|
|||
|
فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة > بيان أنواع الشرك
|
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع |
| انواع عرض الموضوع | تقييم هذا الموضوع |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| شرح مسائل الجاهلية | أبو عبد الرحمن السلفي1 | منبر التوحيد وبيان ما يضاده من الشرك | 8 | 25-10-2007 05:33PM |
| (( فائدة )) قاعدة ينبغي أن تكون أساسية عند الجميع (( آمن بالآية تهتد إلى مدلولها )) | أبو حــــــاتم البُلَيْــــــدِي | منبر القرآن العظيم وعلومه | 0 | 18-07-2007 01:40AM |
