|
||||||||
|
|
أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع | تقييم الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
|
#1
|
|||
|
|||
|
نص أبيات القصيدة الهائية قال الشيخ العلامة حافظ بن أحمد بن علي الحكمي -رحمه الله تعالَى-: وما لِي وللدنيا وليست ببغيتي ولست بِميال إليها ولا إلى هي الدار دار الهم والغم والعنا مياسيرها عسر وحزن سرورها إذا أضحكتْ أبكتْ وإن رام وصلها فأسأل ربي أن يحول بحولـه فيا طالب الدنيا الدنيئة جاهدًا فكم قد رأينا من حريص ومشفق لقد جاء في آي الحديد ويونس وفي آل عمران وسورة فاطر وفي سورة الأحقاف أعظم واعظ لقد نظروا قوم بعين بصيرة أولئك أهل الله حقًّا وحزبه ومال إليها آخرون لجهلهم أولئك قوم آثروها فأعقبوا فقل للذين استعذبوها رويدكم ليلهوا ويغتروا بِها ما بدا لهم ويوم توفى كل نفس بكسبها وتأخذ إما باليمين كتابَها ويبدو لديها ما أسرت وأعلنت بأيدي الكرام الكاتبين مسطر هنالك تدري ربحها وخسارها فإن تك من أهل السعادة والتقى تفوز بجنات النعيم وحورها وترزق مما تشتهي من نعيمها وإن لهم يوم المزيد لموعدًا وجوه إلى وجه الإله نواظرٌ تجلىَّ لَهَا الرب الرحيم مسلمًا بمقعد صدق حبذا الجار ربَّهم فواكهها مِمَّا تلذ عيونَهم على سرر موضونة ثم فرشهم بطائنها إستبرق كيف ظنكم وإن تكن الأخرى فويل وحسرة لهم تحتهم منها مهاد وفوقهم طعامهم الغسلين فيها وإن سقوا أمانيهم فيها الهلاك ومالهم محلين قل للنفس ليس سواهما فطوبى لنفس جوزت وتخففت ولا منتهى قصدي ولست أنا لها رئاستها نتنًا وقبحًا لحالها سريع تَقَضِّيها قريب زوالها وأرباحها خسر ونقص كمالها غبي فيا سرع انقطاع وصالها وقوَّته بيني وبين اغتيالها ألا اطلب سواها إنَّها لا وفا لها عليها فلم يظفر بِها أن ينالها وفي الكهف إيضاح بضرب مثالها وفي غافر قد جاء تبيان حالها وكم من حديث موجب لاعتزالها إليها فلم تغررهم باختيالها لهم جنة الفردوس إرثًا ويالها فلما اطمأنوا أرشقتهم نبالها بِها الخزي في الأخرى وذاقوا وبالها سينقلب السم النقيع زلالها متى تبلغ الحلقوم تصرم حبالها تود فداء لو بنيها ومالها إذا أحسنت أو ضد ذا بشمالها وما قدمت من قولها وفعالها فلم يغن عنها عذرها وجدالها وإذ ذاك تلقى ما إليه مآلها فإن لها الحسنى بحسن فعالها وتحبر في روضاتِها وظلالها وتشرب من تسنيمها وزلالها زيادة زلفى غيرهم لا ينالها لقد طال ما بالدمع كان ابتلالها فيزداد من ذاك التجلي جمالها ودار خلود لم يخافوا زوالها وتطَّرد الأنْهار بين خلالها كما قال فيها ربنا واصفًا لها ظواهرها لا منتهى لجمالها ونار جحيم ما أشد نكالها غواش ومن يحموم ساء ظلالها حميمًا به الأمعاء كان انحلالها خروج ولا موت كما لا فنا لها لتكسب أو فلتكتسب ما بدا لها فتنجو كفافًا لا عليها ولا لها مقدمة الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على نبينا محمد سيد الأولين والآخرين وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فقد عثرت أنا وبعض الأخوة الكرام من طلبة العلم في هذه الأيام على قصيدة مخطوطة موضوعها "الترغيب والترهيب", هذه القصيدة التي سأقدمها بين يدي القراء الكرام هي لفضيلة العالم العامل, والزاهد الورع, صاحب التصانيف الكثيرة, والأعمال الخيرة المنيرة, الشيخ/ حافظ بن أحمد بن علي الحكمي المولود عام 1342هـ, والمتوفى في شهر ذي الحجة عام 1377هـ, بمكة المكرمة -رحمه الله وأكرم مثواه-. وحينما كررت قراءتَها, شاقنِي ما تحمله من معان عظيمة, وما تتصف به من تنسيق عجيب في موضوع الترغيب والترهيب, فأحببت أن أشرحها شرحًا موجزًا بقدر الطاقة, وعلى حسب الاستطاعة, وذلك لينظم خير إلى خير, فيعظم الأجر ويعمّ النفع, وتكمل الفائدة, وبالفعل حصل لي بعض ما قصدت في وقت قصير, وعمل سهل يسير, وذلك بفضل الله العلي الكبير. وما توفيقنا إلا بالله هو مولانا فنعم المولى ونعم النصير. كتبه الفقير إلى الله زيد بن محمد بن هادي الــمدخلي في 1/4/1393هـ قال -رحمه الله تعالى-: ن: وما لي وللدنيا وليست ببغيتي ولسـت بِميال إليهـا ولا إلى ولا منتهى قصدي ولست أنا لها رئاستهـا نتنًا وقبحًـا لحالِهـا الشرح: إذا أمعنت النظر في هذين البيتين تبين لك بوضوح حال الشيخ وموقفه من هذه الحياة الدنيوية الحقيرة, ومدى فهمه العميق لها ولأحوالها, فهي في نظره ونظر كل عاقل وسيلة من الوسائل وليست غاية من الغايات, وهي مطية العبد إلى دار البقاء والخلود, يجدُّ فيها ويجتهد, ويسارع إلى صالح الأعمال وأحسن الأفعال والأقوال, كي يفوز برضا ربه وجنة عرضها السَّمَوَات والأرض, فقد أمر الله بذلك حيث قال -تبارك وتعالى-: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران:133, 134]. وقال تعالى: سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الحديد:21]. ولا شك أن الأعمال الصالحة هي الوسيلة الَّتِي تقرب العبد إلى ربه كما قال تعالى: وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ [سبأ: 37]. فليست الدنيا غاية المسلم, ولا منتهى قصده, ولا مطرح أمله, لأن الإنسان لَم يخلق لجمع حطامها, ولا للمنافسة فيها للحصول على حطامها ولا للركون إليها, إذ لا يركن إليها إلا مغرور, ولا يفتن بزخرفها إلا مفتون ولا يحرص على العلو فيها والتمتع بجاهها ومناصبها من أجل الدعة والسكون إلا من أخلد إلى الأرض واتبع هواه وكان أمره فرطًا. قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:56-58]. وقال تعالى: تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [القصص:83]. وما يعطاه الإنسان في هذه الحياة من الأموال والأولاد فهو متاع وزينة, وفي نفس الوقت ابتلاء واختبار وفتنة, قال تعالى: الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلاً [الكهف:46]. وقال تعالى: وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ [القصص:60]. وقال تعالى: إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [التغابن:15]. ن: هي الدار دار الهم والغم والعنا مياسيرها عسر وحزن سرورها إذا أضحكت أبكت وإن رام وصلها سريع تَقَضِّيها قريب زوالها وأرباحها خسر ونقص كمالها غبي فيا سرع انقطاع وصالها الشرح: وفي هذه الأبيات الثلاثة تتضح لنا حقيقة هذه الحياة الدنيوية المنغصة, وإن العبد معرض فيها لإصابة الهموم والغموم والعناء والنصب والامتحان, كما قال تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [البقرة:155-156]. وقال تعالى: تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ [الملك:1-2]. وقال تعالى: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً [هود: من الآية7]. فهذه الآيات وما في معناها: تدل بصراحة ووضوح أن هذه الدار هي دار الامتحان والابتلاء, وعما قريب ستفنى وتزول, ومادام الأمر هكذا فلا يجوز الركون إليها لامتناع الخلود فيها فهي جديرة بقوله -رحمه الله-: ن: مياسيرها عسر وحزن سرورها إذا أضحكت أبكت وإن رام وصلها وأرباحها خسر ونقص كمالها غبِي فيا سـرع انقطاع وصالِها الشرح: أي أن هذه الدار هي دار الأحزان والخسران, ودار الانقطاع والنقصان, إذا ضحك الإنسان فيها وقتًا قصيرًا, بكى فيها دهرًا طويلاً, وإذا ظفر فيها بربح صفقة دنيوية, خسر فيها أرباحًا أخروية, وإن شمرَّ عن ساعد الجد ليجمع حطامها, وضحَّى بحياته الطيبة لينال كمالها, فإنه سينقل منها في ساعات قريبة, وعلى غِرَّة وغفلة منه عجيبة, فينقطع الوصال بين العاشق ومعشوقته, وتنفصم العلائق بين الخاطب ومخطوبته, فإنا لله وإنا إليه راجعون. ن: فأسأل ربي أن يحول بحوله وقوته بيني وبين اغتيالها الشرح: لَمَّا بين الشيخ -رحمه الله- موقفه من هذه الحياة, ووضَّح للقراء الكرام حقيقتها كما نطق كتاب الله, رفع يديه متضرعًا إلى الله وسائلاً إياه بإلحاح أن يجعل بينه وبين شهوات الدنيا حاجزًا منيعًا وحصنًا حصينًا, لئلا تتسلط عليه فتكون سببًا قويًّا في هلاكه وشقائه, ذلك لأن العبد إذا أطاع النفس الأمارة بالسوء, الميالة إلى الهوى, المحبة للشهوات, أوردته شر الموارد, وأوقعته في مواطن المهلكات والدركات, وأما إذا كانت مطمئنة فسيصل صاحبها -بفضل الله ورحمته- إلى مصاف الصالحين في دار السعادة واليمن والبركات. قال تعالى: فَأَمَّا مَنْ طَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعات:37-41]. لهذا وغيره دعا الشيخ ربه أن يقيه شرور الدنيا, فاستجاب الله دعاءه كما وعد في قوله -تبارك وتعالى-: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: من الآية60]. وقال تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة:186]. وليعلم الداعي علم اليقين أن دعاءه مستجاب, فإما أن يعجل له المطلوب في الدنيا, وإما أن يصرف عنه به سوءًا ومكروهًا, وإما أن يدَّخره له إلى يوم القيامة حينما يكون في أشد الحاجة وأمسها إلى مضاعفة الحسنات وتكفير السيئات ما لَم يكن ذلك الدعاء بِمأثم أو بقطيعة رحم. وجدير بنا أن نرفع أيدينا قائلين: "اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول بيننا وبين معاصيك, ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك, ومن اليقين ما تُهون به علينا مصائب الدنيا, اللهم متعنا بأسماعنا, وأبصارنا, وقوتنا ما أحييتنا, واجعله الوارث منا, واجعل ثأرنا على من ظلمنا, وانصرنا على من عادانا, ولا تجعل مصيبتنا في ديننا, ولا تجعل الدنيا أكبر همنا, ولا مبلغ علمنا, ولا تسلط علينا من لا يرحمنا"( ). ن: فيا طالب الدنيا الدنيئة جاهدًا فكم قد رأينا من حريص ومشفق ألا اطلب سواها إنَّها لا وفا لها عليها فلم يظفر بِها أن ينالها الشرح: في هذين البيتين وصية ثمينة, ونصيحة غالية لكل مسلم ومسلمة, لئلا يغتروا بالدنيا الحقيرة الفانية, ويؤثروها على الآخرة الباقية, فإن الدنيا غرور, ومتاع قليل, ودار ممر ومعبر, قد ملئت بالأحزان والمصائب والآلام, فما أضحكت إلا وأبكت, ولا أفرحت إلا وأحزنت, نِهايتها ضعف وشيبة, وآخر شبابُها هرم وسقم, وعقبى حياتُها مرض وهلاك, فهي ظل زائل, وجميع ما فيها عارية مستردة. وما المال والأهلون إلا ودائع ولابد يومًا أن ترد الودائع فيا أخي المسلم: إن دارًا هذا واقعها, وتلك أوصافها, يجب أن يكون العبد منها على حذر, ويعتبر نفسه فيها غريبًا مسافرًا, فقد وصىَّ رسول الله S عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- بقوله: ((كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل))( ). وفي حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- عن النَّبِي S أنه قال: ((لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيمَ أفناه؟ وعن شبابه فيمَ أبلاه؟ وماله من أين اكتسبه؟ وفيمَ أنفقه؟ وماذا عمل فيمَ علم ))( ). فيا لها من وصايا هادفة من نبي ناصح أمين: عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:من الآية 128]. وكان ابن عمر -رضي الله عنهما- يقول: "إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح, وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء, وخذ من صحتك لسقمك, ومن حياتك لموتك"( ). ثم رغَّب الشيخ -رحمه الله- في طلب الآخرة والسعي لها نصحًا منه وتوجيهًا فما أعظمه من نصح وما أقومه من توجيه استمدهما من قوله تعالى: إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ [التوبة: من الآية91]. ومن قوله عليه الصلاة والسلام: ((الدين النصيحة -ثلاثًا- قلنا: لمن يا رسول الله. قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم))( ). ولاشك أن الترغيب في الآخرة والعمل لها قد حث عليه القرآن الكريم, قال تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا وَمَنْ أَرَادَ الأخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا [الإسراء:18, 19]. وقال تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الأخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ [الشورى:20]. وقال تعالى: إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى [طه:74-76]. إلى غير ذلك من النصوص القرآنية التي تحثنا على أن نكون من أبناء الآخرة وأن نقدِّم أعمالاً صالحة مرضية, وأقوالاً صادقة سديدة, ومعتقدات صحيحة جلية ترضي خالقنا وبارئنا, وتقربنا إليه زلفى في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. ومما هو جدير بالبيان أن كثيرًا من الخلق قد بالغوا في الحرص على جمع حطام هذه الحياة الفانية, ونبذوا الأعمال الصالحة وراءهم ظهريًّا, جهلاً منهم وتجاهلاً ؛ بيد أنَّهم لم يظفروا بالبقاء فيها إلا وقتا قصيرًا, ولم يتمتعوا بلذاتِها إلا زمنًا يسيرًا, فقد نزل بِهم بغتة ما ليس في الحسبان, وانتزع أرواحهم من أجسادهم مفرق الأحبة والإخوان, وتتابعت عليهم سياط العذاب ولعائن الرحمن, قال تعالى: وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ [الأنفال:50, 51]. وانتقلوا إلى دار برزخية فأصبحوا مرتَهنين بأعمالهم في حفر مظلمات, نارها تتلظى, والعذاب فيها شديد, كما قال تعالى في شأن قوم فرعون: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر:46]. ن: لقد جاء في آي الحديد ويونس وفي آل عمران وسورة فاطر وفي سورة الأحقاف أعظم واعظ وفي الكهف إيضاح بضرب مثالها وفي غافر قد جاء تبيان حالها وكم من حديث موجب لاعتزالها الشرح: الآيات الَّتِي يشير إليها الناظم -رحمه الله- في هذه الأبيات الثلاثة, سأوضحها حسب ترتيبها في نظم الأبيات, وسأبين الغرض الأساسي الذي سيقت من أجله في نظمها القرآني, فإن وفقت فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات, وإن قصر بي الفهم, فأستغفر الله. فالآية الأولى: في سورة الحديد ونصها: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ [الحديد:20]. والآية الثانية: في سورة يونس ونصها: إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أنَّهم قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الأياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [يونس:24]. والآية الثالثة: في سورة الكهف ونصها: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا [الكهف:45]. فإن هذه الآيات الثلاث وما في معناها تصور لنا بدقة ووضوح, قصر هذه الحياة إذ إنَّها كمثل نبات الأرض الناتج عن نزول الأمطار, فيزهو ذلكم النبات ويترعرع ويأخذ نصيبًا وافرًا من الزينة, وعما قريب يكون مصفرًّا ملتويًا, ثم حطامًا متفتتًا تذروه الرياح يمنة ويسرة, كل ذلك في وقت قصير, وزمن يسير. والآية الرابعة والخامسة: في آل عمران ونصهما: وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُور [آل عمران: من الآية185], لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ [آل عمران:196, 197]. والآية السادسة: في سورة فاطر ونصها: يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ [فاطر:5]. والآية السابعة: في سورة غافر وهي: إخباره تعالى عن نصيحة مؤمن آل فرعون ونصها: يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ [غافر:39]. وأما الآية الثامنة: ففي سورة الأحقاف ونصها: كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إلاَّ الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ [الاحقاف: من الآية35]. وهذه الآيات كسابقاتِها, فهي تبين لنا مقدار الحياة الدنيا وقصرها, وأن مصيرها إلى الفناء والزوال. وأما الأحاديث التي أشار إليها الناظم بقوله: "وكم من حديث موجب لاعتزالها" فسأذكر نموذجًا منها: 1- عن أبي سعيد الخدري , قال: جلس رسول الله S على المنبر وجلسنا حوله فقال: ((إن مما أخاف عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها))( ). 2- وعنه أيضًا أن رسول الله S قال: ((إن الدنيا حلوة خضرة, وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا, واتقوا النساء))( ). 3- عن المستورد بن شداد قال: قال رسول الله S: ((ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه هذه– وأشار يحيى بالسبابة- في اليم فلينظر بم يرجع))( ). 4- عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما-: ((أن رسول الله S مرَّ بالسوق والناس كنفته فمر بجدي أسك( ) ميت فتناوله فأخذ بأذنه ثُمَّ قال: أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟ فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء وما نصنع به. قال: أتحبون أنه لكم؟ قالوا: والله لو كان حيًّا كان عيبًا فيه لأنه أسك, فكيف وهو ميت؟ فقال رسول الله S: فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم تالي))( ). 5- عن أبي هريرة عن النَّبِي S قال: ((تعس عبد الدينار والدرهم والخميصة, إن أعطي رضي, وإن لم يعط لم يرض))( ). 6- عن عبد الله بن مسعود قال: نام رسول الله S على حصير فقام وقد أثَّر في جنبه, قلنا: يا رسول الله لو اتخذنا لك موطئًا فقال: ((ما لي وللدنيا, ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة, ثم راح وتركها))( ). فيجب على العاقل أن يزرع في دنياه صالح العمل, كي يجني أينع الثمر في دار الجزاء والبقاء التي لا نِهاية لها ولا انقطاع لنعيمها. ن: لقد نظروا قوم بعين بصيرة أولئك أهل الله حقًّا وحزبه ومال إليها آخرون لجهلهم أولئك قوم آثروها فأعقبوا إليها فلم تغررهم باختيالها لهم جنة الفردوس إرثًا ويالها فلمَّا اطمأنوا أرشقتهم نبالها بِها الخزي في الأخرى وذاقوا وبالها الشرح: هذه الأبيات الأربعة تبين لنا بإيضاح أقسام الخلق من حيث العمل والمصير: فالقسم الأول: خلق من خلق الله سبقت لهم من الله الحسنى, وكتبت لهم السعادة, فوفقوا للتمييز بين الهدى والضلال, والحق والباطل, والغي والرشد, والضّار والنافع, فاختاروا لأنفسهم أحسن الطرق, وارتضوا لها أقوم المناهج, فعملوا بطاعة الله على نور من الله يرجون ثواب الله, تركوا معصية الله على برهان من الله يخافون عقاب الله, فهم العقلاء والغرباء الذين يصلحون إذا فسد الناس, ويصلحون ما أفسد الناس. وهم أولياء الله حقًّا الذين قال فيهم: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [يونس:62-64]. وهم حزب الرحمن صدقًا الذين قال فيهم: أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [المجادلة: من الآية22]. وهم أهل الثبات والاستقامة الذين مدحهم ربُّهم بقوله: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ [فصلت:30-32]. وهم أهل الله وعباده: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا إنَّها سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا [الفرقان:63-66]. فهذه صفات القوم, وتلك أعمالهم, وجزاؤهم جنات تجري من تحتها الأنْهار, فيها ما لا عين رأت, ولا أذن سمعت, ولا خطر على قلب بشر من الخلق, ولا يفوتنا أن نقول دائمًا: "اللهم لا تحرمنا خير ما عندك من الفضل والإحسان بشر ما عندنا من التقصير والعصيان". وأما القسم الثاني: فهم الذين كتب عليهم الشقاء في الأزل, ذلك لأنَّهم ليسوا للخير أهلاً, ولا للصلاح موضعًا, قومٌ لم يمتثلوا لله أمرًا, ولم يجتنبوا له نَهيًا, ولم يقبلوا من أنبيائه ورسله توجيهًا ونصحًا, قوم ضعفت عقولهم وسفهت نفوسهم, فلم يميزوا بين حق وباطل, ولا بين ضار ونافع, يتجرءون على المعاصي, ويتنكبون الطاعات, لأنَّهم آثروا الدنيا وقدَّموها, وركنوا إليها وعظموها, وغرتْهم بزخرفها وجمالها فانصاعوا إليها وكرَّموها, فهم في غيهم يعمهون, وفي ريبهم يترددون وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. ن: فقل للذين استعذبوها رويدكم ليلهوا ويغتروا بِها ما بدا لهم سينقلب السم النقيع زلالها متى تبلغ الحلقوم تصرم حبالها الشرح: هذا الخطاب موجه من الناظم -رحمه الله- إلى كل عاقل عرف حقيقة هذه الحياة الدنيا, وعرف الأمر العظيم الذي خلقه الله من أجله, أن يقول بصراحة للتائهين المغرورين المستعذبين للذات الدنيا وشهواتِها: على مهلكم, فإن ما تتمتعون به من مآكل, ومشارب, وملابس, ومناكح, ومساكن سينقلب سمًّا نقيعًا ووبالاً فظيعًا, لأن الجزاء من جنس العمل, وكما يدين المرء يدان. قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ [محمد:12]. وليعلم المغرور علم اليقين أنه سيفارق هذه الحياة, وستنقطع العلائق المزيفة بينه وبينها, وذلك إذا بلغت الروح الحلقوم, والأخلاء قيام ينظرون, ورب العزة أقرب إليه منهم ولكن لا يبصرون. ن: ويوم توفى كل نفس بكسبها وتأخذ إما باليمين كتابَها ويبدو لديها ما أسرت وأعلنت تود فداء لو بنيها ومالها إذا أحسنت أو ضد ذا بشمالها وما قدمـت من قولها وفعالها الشرح: يشير الناظم -رحمه الله تعالى- بقوله: "ويوم توفى كل نفس بكسبها.... إلخ" إلى يوم القيامة الذي تكرر ذكره في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة. ذلك اليوم الذي ترجع فيه الخلائق إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون. ذلك اليوم الذي ستكون فيه الأهوال المزعجة, والشدائد المذهلة, والكروب العظام البالغة. • يوم عظيم تذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت, وتضع فيه كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد. • يوم يعض فيه الظالم على يديه ويقول: يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلاً. • يوم تنفطر فيه السماء, وتكور الشمس, وتنكدر النجوم, وتسير الجبال, وتحشر الوحوش, وتسجر البحار. • يوم يصدر فيه الناس أشتاتًا ليروا أعمالهم, فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرًّا يره. • يوم يحشر فيه المتقون إلى الرحمن وفدًا, ويساق المجرمون إلى جهنم وردًا, لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدًا. • يوم تنسف فيه الجبال نسفًا, فتكون قاعًا صفصفًا, لا ترى فيها عوجًا ولا أمتًا, يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسًا. • يوم يحشر فيه المعرض عن الذكر أعمى فيقول: رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرًا, قال: كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى. • يوم عصيب تنصب فيه الموازين لوزن الأعمال والعاملين قال تعالى: وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآياتِنَا يَظْلِمُونَ [الأعراف:8, 9]. وقال تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِها وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ الانبياء:47]. • يوم عسير على الكافرين غير يسير, يفر فيه المرء من أخيه, وأمه وأبيه, وصاحبته وبنيه, لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه. • يوم لا يجزي فيه والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئًا. • يوم عظيم يقوم الناس فيه لرب العالمين. • يوم لا تقبل فيه الفدية ممن يريد أن يفتدي. قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [المائدة:36]. وقال تعالى: وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ [الرعد:18]. وقال تعالى: يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ وَمَنْ فِي الأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ [المعارج: 11-14]. • يوم يبعثر ما في القبور, ويحصل ما في الصدور. • يوم يجمع الله فيه الأولين والآخرين في صعيد واحد, حفاة عراة غرلاً, ينفذهم البصر, ويسمعهم الداعى, أبصارهم شاخصة إلى السماء قد دنت الشمس من رءوسهم قدر ميل أو ميلين, وألجمهم العرق, واشتد بِهم الكرب, وينْزل الرب تعالى لفصل القضاء بين الخلائق فآخذ كتابه بيمينه إلى الجنة, وآخذ كتابه بشماله إلى النار وبئس القرار. قال تعالى: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا وَيَصْلَى سَعِيرًا إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا [الانشقاق: 7-15]. وقال تعالى: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأيَّامِ الْخَالِيَةِ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيم ِ وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ [الحاقة: 19-34]. وقال تعالى: وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا [الإسراء: 13, 14]. فترى كل نفس ما أحضرت, ويظهر لها ما قدمت وأخرت, لا تفقد منه فتيلاً ولا قطميرًا, بل وجدوا ما عملوا حاضرًا ولا يظلم ربك أحدًا. قال تعالى: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا [آل عمران: من الآية30]. وحينئذ لا يجدي الجحد والإنكار, ولا يقبل الجدل ولا ينفع الاعتذار. قال تعالى: يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا [النحل: من الآية111]. وقال تعالى: وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [فصلت: 19-21]. وفي معنى ما تقدم قال الناظم -رحمه الله-: ن: بأيدي الكرام الكاتبين مُسَطَّرٌ فلم يغن عنها عذرها وجدالها الشرح: المعنى أن الله -تبارك وتعالى- قد وكَّل بالعباد ملائكة كرامًا كاتبين يعلمون ما يفعلون, مهمتهم كتابة الحسنات والسيئات. قال تعالى: مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:18]. فمهما أوتي العبد من قوة في الجدل, ومهما بلغ من غاية في البيان, فإنه سيقف أمام مولاه كئيب النفس حيران, ما لم يحالفه التوفيق من ربه الكريم الرحمن. ن : هنالك تدري ربحها وخسارها فإن تك من أهل السعادة والتقى تفوز بجنات النعيم وحورها وترزق مما تشتهي من نعيمها وإنَّ لهم يوم المزيد لموعدًا وجوه إلى وجه الإله نواظر تجلّى لها الرب الرحيم مُسلِّمًا بمقعد صدق حبذا الجار ربَّهم فواكهها مما تلذ عيونَهم على سرر موضونة ثُمَّ فرشهم بطائنها إستبرق كيـف ظنكـم وإذ ذاك تلقى ما إليه مآلها فإن لها الحسنى بحسن فعالها وتحبر في روضاتِها وظلالها وتشرب من تسنيمها وزلالها زيادة زلفى غيرهم لا ينالها لقد طال ما بالدمع كان ابتلالها فيزداد من ذاك التجلي جمالها ودار خلود لم يخافوا زوالها وتَطَّرد الأنْهار بين خلالها كما قال فيها ربنا واصفًا لها ظواهرها لا منتهى لِجمـالِهـا الشرح: هذه الأبيات كما يرى القارئ أن بعضها مرتبط ببعض من حيث الدلالة على المعنى, ومما لاشك فيه عند كل مسلم أن العبد سيتضح له يوم القيامة ما لـه, وينكشف عنه غطاؤه, وتبرز أمامه أقواله وأفعاله, فإن كان من أهل السعادة والتقى -أي: أنه قد سلك طريق النجاة بفعل الطاعات وترك السيئات- فإنه ينال رضا ربه والجنات, كما قال تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ [فصلت: من الآية46]. وقوله تعالى: وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى [النجم: من الآية31]. وقوله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى [الليل: 5-7]. إلى غير ذلك من الآيات الدالة على هذا المعنى, ثم ذكر الناظم -رحمه الله تعالى- ما أعده الله لعباده المتقين من النعيم المقيم والفوز العظيم بقوله: " تفوز بجنات النعيم وحورها ..............................." إلى آخر الأبيات في هذا المعنى, والذي أملاه الناظم في هذا المعنى قد دلت عليه آيات قرآنية كثيرة, وأحاديث نبوية صحيحة, وسأذكر نموذجًا من تلك الآيات والأحاديث. قال تعالى: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:25]. وقال تعالى: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا [الرعد: من الآية35]. وقال تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ لا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ [الحجر: 45-48]. وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا [الكهف:30, 31]. وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً [الكهف:107, 108]. وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ [الأنبياء:101, 102]. وقال تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ [فاطر:32, 33]. وقال تعالى: إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الأرَائِكِ مُتَّكِئُونَ [يس:55, 56]. وقال تعالى: وَمَا تُجْزَوْنَ إلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إلاَّ عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ [الصافات: 39-49]. وقال تعالى: وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ [الزمر:73]. وقال تعالى: رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [غافر:8, 9]. وقال -جل وعلا-: يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وَتَلَذُّ الأعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [الزخرف:68-71]. وقال تعالى: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ [محمد: من الآية 15]. وقال تعالى: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [الرحمن:46]. وقال تعالى: وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ وَظِلٍّ مَمْدُودٍ وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا عُرُبًا أَتْرَابًا لأَصْحَابِ الْيَمِينِ [الواقعة: 27-38]. وقال -تبارك وتعالى-: إِنَّ الأبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا [الإنسان:5, 6]. وقال تعالى: وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا [الإنسان: 19-22]. وقال تعالى: إِنَّ الأبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ عَلَى الأرَائِكِ يَنْظُرُونَ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ [المطففين:22-26]. إلى غير ذلك من الآيات التي ذكر الله فيها وصف الجنات المهيئات لمن بذل جهوده في فعل الخيرات وعمل الصالحات. وقد وصفها رسول الله S وصفًا بليغًا, ورغَّب فيها ترغيبًا يبعث على الجد في صالح العمل فقال S قال الله تعالى: ((ثم أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت, ولا أذن سمعت, ولا خطر على قلب بشر))( ). وقال -عليه الصلاة والسلام-: ((وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها))( ). وقال S: ((إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله))( ), وغير ذلك كثير. ثُمَّ ذكر الناظم -رحمه الله- أن لأهل الجنة يومًا يجتمعون فيه يسمى "يوم المزيد", حيث يتمتعون بالنظر إلى وجه ربِّهم الكريم على اختلاف منازلهم في الجنة, وهذا مقطوع بصحته وحقيقته عند أهل السنة والجماعة سلفًا وخلفًا, قال الله -تبارك وتعالى-: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس: من الآية26]. وقال -جل وعلا-: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:22, 23]. وفي صحيح مسلم عن صهيب عن النَّبِي S قال: ((إذا دخل أهل الجنة الجنة, وأهل النار النار, نادى منادٍ: يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدًا يريد أن ينجزكموه. فيقولون: وما هو؟ ألم يثقل الله موازيننا ويبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة وينجنا من النار!! قال: فيكشف الحجاب فينظرون إليه فوالله ما أعطاهم الله شيئًا أحب إليهم من النظر -يعنِي: إليه- ولا أقر لأعينهم))( ). وفي الدعاء المأثور: ((وأسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة, ولا فتنة مضلة))( ). فهذه النصوص وما في معناها: تدل بصراحة أن المؤمنين يوم القيامة وفي الجنة يتمتعون بالنظر إلى ربِّهم, فيعتبرون ذلك فوق كل نعيم نالوه, وأعظم من كل متاع أعطوه, فسبحانه من رب رحيم, رحم عباده المؤمنين, وأكرمهم بقربه وجواره, وآتاهم من الفضل والإنعام ما لَم يؤت أحدًا من العالمين, فله الفضل والمنة, وله الثناء الجميل الحسن. ويطيب لي أن أورد هنا أبياتًا من منظومة "السبل السوية"( ) لناظم هذه القصيدة -غفر الله له- لما لها من الصلة القوية بما سبق ذكره آنفًا, إذ إنَّها في وصف الجنة وأهلها, قال -رحمه الله تعالى- في باب الورع والزهد والرقاق. وانقسم الخلق إلى قسمين فأولياء ربنا بداره دار بِها ما ليس عين قد رأت ولا درى قلب به ولا خطر بناؤها من فضة ومن ذهب ملاطها كان بمسك أذفرِ ترابُها من زعفران وبِها في غرف مبنية ظهورها في درجات بعد ما بين السما منها انفجار أنْهر الجنان فيدخلون أولاً على زمر أبنا ثلاث وثلاثين سنة وجوههم من السرور مسفرة صفوفهم عشرون بعد المائة في عيشة راضية مرضيه آنية من ذهب وفضة رشحهم المسك قلوبُهم على لو واحد منهم بدا أساوره لهم من الحرير أعلى ملبس عليهمُ من لؤلؤ تيجان بلا انقطاع رزقهم مدرار في فنن ممدودة الظلال طعامهم من كل لون فكهوا شرابُهم فيها من التسنيم أزواجهم حور حسان عين قد أخدموا فيها من الولدان أدناهمو ولا دنيَّ فيهمو زوج من خيراتِها الحسان في قبة اللؤلؤ والزبرجد فيها لـه مُلك مَنْ الدنيا ملك لكنما موضع سوط فيها أما الذي أعلاهمو في المنْزلة فِي غرف تنظـر كالـدري أخفى لهم من قرة الأعين ما وإن فوق كل ذا النعيم يوم المزيد موعد الزيادة فقربت فيها إليهم نجب منابر النور ومن زبرجد ينصبها للأولياء والشهدا على كثيب المسك والكافور لا أبرز عرشه لهم رب السماء يرونه كما يرون الشمس في هناك عن كل النعيم اشتغلوا يقول ما اشتهيتموه فاسألوا حتى بِهم تقصر الأمانى وأتُحِفوا بأجزل الإكرام لسوق جنة به ما تشتهي فما أرادوا أخذوا لم يصرفوا وينشئ الله لهم سحابا وانقلبوا منها إلى أهليهم ليس بِها لغو ولا تأثيم فيها خلـود غير إخـراج ولا وما لهم مأوى سوى الدارين فازوا بدار الخلد فِي جواره كلا ولا أذن به قد سمعت قط ببال أحد من البشر ليس بِها من صخب ولا وصب حصباؤها من لؤلؤ وجوهر ما لا يعد قدره من البها تحكي البطون دائم حبورها والأرض والفردوس أعلاها سما وسقفها العرش بلا نكران أول زمرة على ضوء القمر جردًا مكحلين مردًا حسنة لا ذلة ترهقها أو قترة أما ثَمانون فمن ذي الأمة وفرش مرفوعة عليه لهم مجامر من الألوة قلب امرئ من كل حقد قد خلا أضاءت الدنيا به أو ظفره إستبرق فيها وخضر السندس تضيء للؤلؤة الأكوان جارية تحتهم الأنْهار شبه ما تثمر بالقلال فيها ولحم طائر مما اشتهوا والسلسبيل نزل الرحيم كأنَّهن اللؤلؤ المكنون ما قصه الرحمن في القرآن له ثَمانون ألفًا خدمُ سبعين حوراء تلا اثنتان تنصب دون الشهر لم تحدد وعشرة أمثاله بدون شك خير من الدنيا وما عليها فذاك غير الله لا واصف لـه في الأفق الشرقي أو الغربي ليس سوى الله به قد علما رؤيتهم لربنا الكريم يدعو إلى زيارة عباده إليه فوقها صفوفًا ركبوا ولؤلؤ وفضة وعسجد وبعدهم يجلس باقي السعدا يرون أصحاب الكراسي أفضلا ثم تجلَّى جهرة مسلما ظهيرة صحوًا بلا تكلف وكل ما هم فيه عنه ذهلوا أعطيكمو وما لديَّ أفضل وقد أحلوا أكبر الرضوان وانصرفوا بإذن ذي الإنعام أنفسهم من كل ملتذ به شيئًا بِها إذ قبل ذا قد أسلفوا يمطرهم كواعبًا أترابا وقد تضاعف البهاء فيهم عليهمُ من ربِّهم تسليم تفنَى ولا يبغـون عنهـا حـولا انتهى ما أردت نقله في هذا المقام وبالله التوفيق. ن: وإن تكن الأخرى فويل وحسرة لهم تحتهم منها مهاد وفوقهم طعامهم الغسلين فيها وإن سقوا أمانيهم فيها الهلاك وما لهم ونار جحيم ما أشد نكالها غواش ومن يحموم ساء ظلالها حميمًا به الأمعاء كان انحلالها خروج ولا موت كما لا فنا لها الشرح: وضع هذه الأبيات الأربعة بعد الأبيات السابقة في غاية المناسبة فقد مشى الناظم -رحمه الله- على قاعدة الجمع بين الترغيب والترهيب, وهذه طريقة القرآن الكريم كي يكون العبد راغبًا راهبًا, راغبًا فيما عند الله من الثواب العظيم, وخائفًا مما عنده من العذاب الأليم. ولهذا قال -رحمه الله-: وإن تكن الأخرى فويل وحسرة ونار جحيم ما أشد نكالها أي: وإن كان العبد من أهل الشقاوة -والعياذ بالله- فله الويل والحسرة, والويل روي أنه "واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفًا قبل أن يبلغ قعره"( ), وقد توعد الله -تبارك وتعالى- بويل أصنافًا من المجرمين. فقال تعالى: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ [البقرة:79]. وقال تعالى: وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الجاثية:7, 8]. وقال تعالى: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ [المرسلات:49, 50]. وقال تعالى: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ [المطففين: 1-3]. وقال تعالى: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ الَّذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ [الهمزة:1- 2]. وقال تعالى: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ [الماعون:4-7]. إلى غير ذلك من الآيات. وكما لأهل الشقاوة ويل فعليهم حسرة ولهم جحيم, ما أعظم عذابَها. قال تعالى: وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [مريم:39]. وقال تعالى: أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ [الزمر:56]. وقال تعالى: إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالاً وَجَحِيمًا وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا [المزمل:12, 13]. فأهل النار الذين هم أهلها لا يموتون فيها ولا يحيون, بل يدعون على أنفسهم بالويل والثبور, ويعضون أناملهم حسرة وندامة. ندم البغاة ولات الساعة مندم والبغي مـرتع مبتغيه ومحتم ثُمَّ ذكر الناظم -رحمه الله- مأكل أهل النار ومشربَهم ومقرهم وبئس المأكل والمشرب وساء المأوى والمقر فقال: لهم تحتهم منها مهاد وفوقهم غواش ومن يحموم ساء ظلالها إلى آخر الأبيات. وهذه الصفات والجزاءات التي أوردها الناظم -رحمه الله- قد تناولتها آيات قرآنية سأذكر بعضها فيما يلي: قال تعالى: لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ [الأعراف:41]. وقال تعالى: لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ [الزمر: من الآية16]. وقال -جل وعلا-: وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ. كما يقول -تقدس ذكره-: وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ [محمد: من الآية15]. وقال تعالى: فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ وَلا طَعَامٌ إلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ لا يَأْكُلُهُ إلاَّ الْخَاطِئُونَ [الحاقة: 35-37]. وغير ذلك كثير. ذلك متاع أهل النار, وتلك حالاتُهم, فبئس المتاع وساءت الحال, وجوههم مسودة وباسرة, تظن أن يفعل بِها فاقرة, وأدبارهم مصفوعة ومضروبة, وأبصارهم خاشعة ذليلة, كلامهم فيها البكاء والعويل, وديدنُهم المحاجة والخصام, وأمانيهم فيها الموت والهلاك. قال تعالى: وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ [الزمر: من الآية60]. وقال تعالى: وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فَاقِرَةٌ [القيامة:24, 25]. وقال تبارك تعالى: وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ [محمد: من الآية 15]. وقال تعالى: وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ [الأنفال:50]. وقال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ [فاطر:36, ومن الآية37]. وقال : وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ [غافر:47, 48]. وقال -تبارك وتعالى-: إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ [الزخرف: 74-78]. فهم في عذاب دائم لا يقضى عليهم فيها فيموتوا, ولا يخفف عنهم من عذابِها فيستريحوا, إذ لا فناء لها, ولا منتهى لجحيمها وأنكالها, أعاذنا الله وجميع المسلمين من عذابِها, ووقانا وإياهم حرها وحميمها. وحرصًا على الكمال وحصول الفائدة, فأحب أن أنقل أبياتًا من منظومة "السبل السوية" لناظم هذه القصيدة, ذلك لأن المقام يليق بإيرادها. قال -رحمه الله- في وصف النار وأهلها: هذا وإن الأشقيا لفي سقر يؤتى بِها في موقف القيام زمت بِها كل زمام في يد إن زفرت ثم رمت بالشرر ثلاثة الآلاف عامًا أضرمت لو تسقط الصخرة من شفيرها أما الذين كتبوا من أهلها فهم خلود أبد الآباد لا مهادهم من تحتهم جحيم قوتُهم الضريع والزقوم يسقون فيها من حميم آن يشوي الوجوه والجلود يصهر فهم على الوجوه يسحبونا بِهم ملائك غلاظ وكلوا غلت نواصيهم إلى الأقدام يهوون في أمدها المديد سبعون عامًا لهم أنكال يقلبون الدهر في سعيرها وكلما راموا خروجًا منها جلودهم تبدل فيها كلما أدناهمو في ألم من نعلا فكيف حال من عليه تؤصد وفي جهنم الكفور يعظم لكن عصاة من أولي التوحيد فيها يجازون بقدر ما جنوا ويدخلون جنة النعيم وقضي الأمر وكل استقر وإن ترد تبيان ذا مستكملا فدونك اطلبهـا من القـرآن ألا فساءت المقام والمقر سبعون آلاف من الزمام سبعين ألف ملك مؤيد جثا لذاك كلُّ من بالمحشر حتى غدت مسودة فأظلمت سبعون عامًا لم تصل لقعرها أعني بِهم من خلقوا لأجلها حياة لا موت فساءت نزلا يصب من فوقهم الحميم وبئس ظل لهم اليحموم على كلاليب من النيران ويقطع الأمعاء حين يقطر فيها وفي الجحيم يسجرونا وفي سلاسل الجحيم سلسلوا وفي مزيد هم من الآلام لَم ينتهوا لقعرها البعيد مقامع الحديد والأغلال بين سمومها وزمهريرها فيها أعيدوا لا محيص عنها تنضج عادت ليذقوا الألما نعلين منهما دماغه غلا يهبط تارة وأخرى يصعد جدًّا ليزداد عليه الألم قد يدخلونَها بلا تأبيد ثم ينجون بما قد آمنوا برحمة المهيمن الرحيم بداره وذاك حصد ما يذر موضحًا مبينًا مفصلاً والسنن الصحاح والْحسـان وبعد: أيها المسلم الناصح لنفسه والمجاهد لها لتفوز وتسعد, إنك إذا قرأت هذه الأبحاث نثرًا ونظمًا, وتدبرت ما أوردناه لك في هذه الرسالة من الآيات القرآنية, والأحاديث النبوية, والفوائد الجلية, اتضحت لك طريق الحسنى, واندفعت نفسك وجوارحك إلى فعل الخيرات وترك المنكرات, وانبرت أمامك حقيقة الزهد في هذه الحياة. وما العون والتوفيق إلا من الله عليه توكلنا, وهو حسبنا ومولانا فنعم المولى ونعم النصير. ن: محلين قل للنفس ليس سواهما فطوبى لنفس جوزت وتخففت لتكسب أو فلتكتسب ما بدا لها فتنجو كفافًا لا عليها ولا لها الشرح: أي: أن للنفس في الدار الآخرة أحد محلين, إذ إن من عوقب من عصاة الموحدين بدخول النار فإنه يخرج منها إلى الجنة كما أثبتت ذلك النصوص الصحيحة. ( أ ) إما دار نعيم وخلود وبقاء, إذا هي تزكت وتطهرت من دنس الشرك بالله وأوضار المعاصي, وتحصنت بفعل الخيرات وعمل الصالحات, واعتصمت بحبل الله, واطمأنت بذكر الله, وفوضت الأمر كله لله. (ب) وإما دار جحيم وبلاء وشقاء, إذا هي تعدت حدود الله, وأعرضت عن ذكر الله, وتكبرت عن قبول الحق, وكذَّبت من دعاها, وآمنت بالجبت والطاغوت, وكفرت ببارئها ومولاها, وأخلدت إلى الأرض واتبعت هواها, وآثرت الدنيا الفانية على الآخرة الباقية, فذاقت وبال أمرها وجزاها. فتبًّا لها ما أخسرها وأشقاها, وويلاً لها ما أجدرها بعذاب الله وأحراها, وبعدًا لنفس خسرت دنياها وأخراها, وهلاكًا لها ثم هلاكًا ما أصبرها على النار إذ تصلاها. وطوبى لنفس راقبت مولاها فلم يفقدها حيث أمرها, ولم يبصرها حيث حرم عليها ونَهاها. وطوبى لنفس صدقت بكلمة الإخلاص وتمسكت بعراها. وطوبى لنفس اعتبرت دنياها وسيلة لأخراها. وطوبى لنفس تحلت بمكارم الأخلاق فأكرم بمن طهرها وزكاها. وطوبى لنفس توجت بتاج القناعة والعفة, واستجابت لداعي الهدى إذ دعاها. وطوبى لنفس تفكرت في خلقها ومصيرها فقل ضحكها وكثر بكاها. وطوبى لنفس ذكرت ربِّها خالية ففاضت بالدمع عيناها. وطوبى لنفس ترفعت عن فعل القبيح فلم يضرها شيطانَها وهواها. وطوبى لنفس حفظت ربَّها فحفظها ووفقها وهداها. طوبى لنفس نجت من عذاب الله فرضي عنها ربُّها وأرضاها. فطوبى لها -ثُمَّ طوبى- ما أبرها بالله وأتقاها. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين. |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد | أبو عبد الرحمن السلفي1 | منبر التوحيد وبيان ما يضاده من الشرك | 4 | 08-11-2007 12:07PM |
| شرح كتاب ثلاثة الأصول | أبو عبد الرحمن السلفي1 | منبر التوحيد وبيان ما يضاده من الشرك | 3 | 13-10-2007 07:38PM |
| أصول في التفسير (للشيخ/محمد بن صالح العثيمين رحمه الله) | طارق بن حسن | منبر القرآن العظيم وعلومه | 1 | 13-12-2006 12:12AM |
