بسم الله الرحمن الرحيم
نعم ينبغي أن يضبط المسلم نفسه في مخالطته للناس وفق ماجاء في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمل الصحابة والتابعين وذلك أولا أن يفرق بين الصاحب ومن يحتاجه لمصلحة عارضة تنقضي مجالسته بالفراغ منها فإذا أراد إختيار الصاحب فلا يختاره إلا صالحا وذلك لما روى البخاري في صحيحه عن أبي بُرْدَةَ بْنَ أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ كَمَثَلِ صَاحِبِ الْمِسْكِ وَكِيرِ الْحَدَّادِ لَا يَعْدَمُكَ مِنْ صَاحِبِ الْمِسْكِ إِمَّا تَشْتَرِيهِ أَوْ تَجِدُ رِيحَهُ وَكِيرُ الْحَدَّادِ يُحْرِقُ بَدَنَكَ أَوْ ثَوْبَكَ أَوْ تَجِدُ مِنْهُ رِيحًا خَبِيثَةً
ففي هذا الحديث النهي عن مجالسة من يتأذى بمجالسته في الدنيا والدين لأن الطبع سراق والصاحب ساحب وكما في الحديث الذي خرجه الترمذي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل
وأشد الأصاحب خطرا على جليسه أهل البدع والأهواء المضلة قال الحسن البصري لاتجالسوا أهل الأهواء ولاتسمعوا منهم ولاتناظروهم
وروي عن الإمام أحمد أنه قال لاينبغي لأهل البدع أن يؤمنوا
والأصل في ذلك مارواه أبوداود في سننه عَنْ أَبِي الدَّهْمَاءِ قَالَ سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ يُحَدِّثُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَّالِ فَلْيَنْأَ عَنْهُ فَوَاللَّهِ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَأْتِيهِ وَهُوَ يَحْسِبُ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ فَيَتَّبِعُهُ مِمَّا يَبْعَثُ بِهِ مِنْ الشُّبُهَاتِ أَوْ لِمَا يَبْعَثُ بِهِ مِنْ الشُّبُهَاتِ هَكَذَا قَالَ
وقد قال الفضيل بن عياض البدعة أحب إلى إبليس من المعصية لأن العاصي يتوب والمبتدع لايتوب
ولكن هناك فرق بين أهل الأهواء وبين أذنابهم من مقلدة العامة وجهالهم فالذي جاء عن السلف هجره
أهل الأهواء الذي هم خصوم السنة يستدلون بالرأي والهوى والحجج الداحضة والتأويلات الفاسدة لإبطال السنة وأما من قلدهم في مسأة أو مسألتين من العامة بلااستدلال وانتصار بالشبه والتلبيس
فليس لهم حكمهم بل يجالسون ويدعون ويعطون الكتيبات والأشرطة لأهل الحديث لإرجاعهم وأما أولئك فلابد من عالم متمكن يبطل حجتهم إذا لزم الأمر لمناظرتهم ولايجالسون للعصمة من تلبيساتهم كما قال الإمام أحمد لاتجالسوا الحارث المحاسبي إنه مبتدع لايغرنكم تنكيس رأسه
والجلساء ثلاثة إما عالم تستفيد منه فسأله وإما قرين تدارسه فخذ منه وأعطه وإما جاهل فتعلمه 0
والنوع الآخر من كان لك مصلحة عارضة في مجالسته إما لدعوته وإما لنيل غرض دنيوي تحتاجه
فذلك الذي تأخذ غرضك منه ولاتصاحبه وهو الجليس السوء أو الذي لايتصف بالإستقامة قال بن المبارك تقربوا إلى الله ببغض أهل المعصية
وهذا لايعني هجرهم بل من السنة الإنبساط إليهم إذا علم أن ذلك يؤدي إلى تأليف قلوبهم للسنة
وإنما يهجرون إذا علم أن في الهجر دواء لهم كما هجر النبي صلى الله عليه وسلم الثلاثة الذين تخلفوا عن الغزو فهذا الإنبساط ليس من باب المداهنة وإنما هو من باب المداراة وشتان بينهما فالمدهنة هي ترك الإنكار على من ظهرت منه في المجلس معصية تزلفا إليه والمدارة تكون بالتنازل عن أمر دنيوي لاعلاقة له بالدين كالإنساط وترك الإنقباض من العاصي الذي لم يظهر في المجلس المعصية
ويدل على ذلك مارواه البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها أَنَّ رَجُلًا اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا رَآهُ قَالَ بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ وَبِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ فَلَمَّا جَلَسَ تَطَلَّقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَجْهِهِ وَانْبَسَطَ إِلَيْهِ فَلَمَّا انْطَلَقَ الرَّجُلُ قَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ حِينَ رَأَيْتَ الرَّجُلَ قُلْتَ لَهُ كَذَا وَكَذَا ثُمَّ تَطَلَّقْتَ فِي وَجْهِهِ وَانْبَسَطْتَ إِلَيْهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا عَائِشَةُ مَتَى عَهِدْتِنِي فَحَّاشًا إِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ شَرِّهِ
__________________
ماهر بن ظافر القحطاني المشرف العام على مجلة معرفة السنن و الآثار maher.alqahtany@gmail.com
|